محمد بن جرير الطبري

56

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لا يوفقهم ، ولا يشرح للحق والإِيمان صدورهم . وقد زعم بعضهم أن تأويل قوله : اهْدِنَا زدنا هداية . وليس يخلو هذا القول من أحد أمرين : إما أن يكون قائله قد ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمسألة ربه الزيادة في البيان ، أو الزيادة في المعونة والتوفيق . فإن كان ظن أنه أمر بمسألة الزيادة في البيان فذلك ما لا وجه له ؛ لأَن الله جل ثناؤه لا يكلف عبدا فرضا من فرائضه إلا بعد تبيينه له وإقامة الحجة عليه به . ولو كان معنى ذلك معنى مسألته البيان ، لكان قد أمر أن يدعو ربه أن يبين له ما فرض عليه ، وذلك من الدعاء خلف ؛ لأَنه لا يفرض فرضا إلا مبينا لمن فرضه عليه ، أو يكون أمر أن يدعو ربه أن يفرض عليه الفرائض التي لم يفرضها . وفي فساد وجه مسألة العبد ربه ذلك ما يوضح عن أن معنى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ غير معنى بين لنا فرائضك وحدودك ، أو يكون ظن أنه أمر بمسألة ربه الزيادة في المعونة والتوفيق . فإن كان ذلك كذلك ، فلن تخلو مسألته تلك الزيادة من أن تكون مسألة للزيادة في المعونة على ما قد مضى من عمله ، أو على ما يحدث . وفي ارتفاع حاجة العبد إلى المعونة على ما قد تقضى من عمله ما يعلم أن معنى مسألة تلك الزيادة إنما هو مسألته الزيادة لما يحدث من عمله . وإذا كان ذلك كذلك صار الأَمر إلى ما وصفنا وقلنا في ذلك من أنه مسألة العبد ربه التوفيق لأَداء ما كلف من فرائضه فيما يستقبل من عمره . وفي صحة ذلك فساد قول أهل القدر الزاعمين أن كل مأمور بأمر أو مكلف فرضا ، فقد أعطي من المعونة عليه ما قد ارتفعت معه في ذلك الفرض حاجته إلى ربه ؛ لأَنه لو كان الأَمر على ما قالوا في ذلك لبطل معنى قول الله جل ثناؤه : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وفي صحة معنى ذلك على ما بينا فساد قولهم . وقد زعم بعضهم أن معنى قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ : أسلكنا طريق الجنة في المعاد ، أي قدمنا له وامض بنا إليه ، كما قال جل ثناؤه : فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ أي أدخلوهم النار ؛ كما تهدى المرأة إلى زوجها ، يعني بذلك أنها تدخل إليه ، وكما تهدى الهدية إلى الرجل ، وكما تهدي الساق القدم ؛ نظير قول طرفة بن العبد : لعبت بعدي السيول به * وجرى في رونق رهمه للفتى عقل يعيش به * حيث تهدي ساقه قدمه أي ترد به الموارد . وفي قول الله جل ثناؤه : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ما ينبئ عن خطأ هذا التأويل مع شهادة الحجة من المفسرين على تخطئته ؛ وذلك أن جميع المفسرين من الصحابة والتابعين مجمعون على أن معنى " الصراط " في هذأ الموضع غير المعنى الذي تأوله قائل هذا القول ، وأن قوله : إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ مسألة العبد ربه المعونة على عبادته ، فكذلك قوله " اهدنا " ، إنما هو مسألة الثبات على الهدى فيما بقي من عمره . والعرب تقول : هديت فلانا الطريق ، وهديته للطريق ، وهديته إلى الطريق : إذا أرشدته إليه وسددته له . وبكل ذلك جاء القرآن ، قال الله جل ثناؤه : وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وقال في موضع آخر : اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وقال : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وكل ذلك فاش في منطقها موجود في كلامها ، من ذلك قول الشاعر : أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل يريد : أستغفر الله لذنب ، كما قال جل ثناؤه : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ومنه قول نابغة بني ذبيان :